أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
248
شرح مقامات الحريري
المقامة الثانية والأربعون وهي النّجرانيّة حكى الحارث بن همام قال : ترامت بي مرامي النّوى ، ومساري الهوى ؛ إلى أن صرت ابن كلّ تربة ، وأخا كلّ غربة ؛ إلا أنّي لم أكن أقطع واديا ، ولا أشهد ناديا ؛ إلّا لاقتباس الأدب المسلي عن الأشجان ، المغلي قيمة الإنسان ؛ حتى عرفت لي هذه الشّنشنة ، وتناقلتها عنّي الألسنة ، وصارت أعلق بي من الهوى ببني عذرة ، والشجاعة بآل صفرة . * * * ترامت بي : رمتني هذه إلى هذه وهذه إلى هذه . والمرامي : المواضع التي ترميه . والمساري : مواضع السّرى ، وهو سير اللّيل ، وهو جمع مرمى ومسرى ، ويكون المرمى والمسرى مصدرين . والنّوى : الغربة والبعد عن الأهل ، أراد أنّ البلاد والجهات ترميه بلدة إلى بلدة ، وجهة إلى جهة ، فهو أبدا في الجولان . وابن كلّ تربة ، أي ينسب لكل بلدة لكثرة ما يظهر فيها . ناديا : مجلسا . الاقتباس : الاكتساب . المسلي : المذهب للهمّ ، وتسلّيت عن الهمّ : نسيته . والأشجان : الأحزان ، وقد تقدم شرح هذه المعاني وتكرّر . الشّنشنة : الطبيعية . أعلق : ألصق . [ بنو عذرة ] وبنو عذرة : قبيلة معروفة من قبائل العرب ، وهم أولاد عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة . الفنجديهيّ : عذرة قبيلة من العرب ، يستلذّون مرارة العشق مثل الضرب ، جبلت المحبة في طينتهم ، وجنيت المودّة من لينتهم ، وصار الهوى وصفهم الذي لا ينفك ، ورهائن قلوبهم من حرارات الشوق لا تفكّ ، استأسرهم العشق أسرا ، واستأصلهم الحب قهرا وقسرا ؛ فمنهم من يموت من أوام غرامه ، ومنهم من يموت بهيام سقامه . ومن مشاهيرهم جميل بن عبد اللّه بن معمر العذريّ صاحب بثينة بنت عبد اللّه العذريّة ، وعروة بن حزام صاحب عفراء بنت مالك العذريّين . وقال : سعيد بن عتبة الهمدانيّ : قلت لأعرابيّ : ممن أنت ؟ قال : من قوم إذا عشقوا